عبد الوهاب الشعراني
447
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
فتبت واستغفرت فخفف الألم من ذلك اليوم حتى استعجب الحكماء ، وقالوا هذا أمر رباني ما للخلق فيه عمل . وكذلك وقع لي في سنة خمس وخمسين أن امرأة قالت لي اكتب لي للكاشف كتابا يخلص لي ولدي من الحبس ، فقلت لها ليس لي معرفة بالكاشف ، وتركت الكتابة لها فرمدت أكثر من شهر وضعف بصري عن قراءة الخط الدقيق بعد أن كنت أقرأ الكتابة التي في داخل القمر وأقرأ حروفها وأنا إلى وقتي هذا على ذلك الحال من ضعف البصر وكذلك القول في الأذن إذا قال لك شخص اسمع لي حاجتي أو سورتي ، وكذلك القول في الرجلين إذا قال لك إنسان امش معي خطوة اقض حاجتي ، وكذلك القول في الفرج إذا حصل به فاحشة ، ونحو ذلك فلا تطمع في معافاتك من البلاء وأنت تستعمل أعضاءك في غير ما خلقت له أبدا بحسب مقامك فإن العارفين ربما آخذ اللّه أحدهم بنظره إلى غيره بغير إذنه فإن ذلك لا يكون . ثم لا يخفى أن العارفين ربما كانت لهم مؤاخذات على ذنوب لم يؤاخذ بها غيرهم بحسب علو مقامهم . وقد نظر عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ليلة إلى السماء فحصل في قلبه قساوة ، فحكى ذلك لأمه فقالت : يا ولدي لعلك نظرت إلى السماء على غير وجه الاعتبار ، واللّه تعالى ما أذن لك إلا في نظر الاعتبار ا ه . ونظر بعض المريدين إلى أمرد فاسود وجهه ، وصار كقعر القدر حتى استغفر له الجنيد فزال سواده ، وكم نظر غيره إلى مثل ذلك ولا يسود له وجه فاعلم ذلك ، وقد نبهتك على أمر ما أظنه طرق سمعك من غيري قط فاشكرني عند ربك واحفظ جوارحك إن أردت سلامتها من العاهات ، واللّه يتولى هداك . وروى الإمام مسلم في حديث مرفوعا : « الطّهور شطر الإيمان ، والصّبر ضياء ، والصّدقة برهان » . قلت : ومعنى كونه ضياء أن صاحبه يحصل له نورانية في قلبه بالمرض فيدرك الحق والباطل . وأما من لم يصبر فهو في ظلمة يقع في كل محظور ، وأما كون الصدقة برهانا فهي لكونها دليلا على أن صاحبها يوقى من الشح الذي في نفسه ، واللّه تعالى أعلم . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا في حديث طويل : « ومن يتصبّر يصبّره اللّه ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصّبر » . وروى الطبراني والحاكم مرفوعا في حديث طويل : « الصّبر أوّل العبادة » . وروى الترمذي مرفوعا : « الزّهادة في الدّنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكنّ الزّهادة في الدّنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد اللّه ، وأن تكون في